الجلابة المغربية… لباس لكل الأجيال

الزائر للمغرب لابد أن يثيره  ذاك اللباس الفضفاض الواسع والطويل الذي يغطي الجسم باستثناء الرأس ، ولابد من أن يلحظ تشبث المغاربة  نساء ورجالا بهذا اللباس التقليدي الأصيل المسمى “الجلابة ” (الجلباب) وبرغم طفرة الموضة الحديثة المنتشرة في المملكة .

” الجلابة سترة في الصيف والشتاء”، هذه العبارة التي يرددها المغاربة تعكس أهمية هذا اللباس عندهم حيث لا تكاد تخلو خزانة ملابس نسائية أو رجالية في المغرب من ” الجلابة ” اللباس التقليدي المحتشم والفضفاض بالأكمام الطويلة والغطاء المتصل مع فتحة الرأس أو ما يسمى ” باللقب ” وهو بمثابة الرأس من الجسد والذي يشكل أحد العناصر الأساسية المكونة للجلباب لأنه بدون “قب” فان الجلابة تتحول فقط لقميص عادي وفي ذلك ما يعطي لهذا اللباس المغربي الفرادة والاختلاف عن الجلباب المصري أو “العباية” الخليجية
 
فخامة نسائية ورجالية
 
ظاهريا وبرغم بعض مظاهر الزينة والألوان فانه  يبدو أن الجلابة النسائية والرجالية تتشابهان ، لكن أحد أهم عناصر الاختلاف بين الاثنين هو طبيعة الخياطين ، فخياط “الجلابة ” النسائية لابد أن تتوفر فيه المهارة والبراعة الفنية كما يشترط فيه التخصص اعتبارا لطبيعة العناصر التي تستعمل في خياطة وفصالة ” الجلابية ” النسائية حيث يتطلب الأمر التطريز بعدة خيوط منها أحيانا الذهبية أو الفضية أو هما معا وعلى أقمشة فاخرة بألوان نسائية فاتحة وتتلاءم مع كل فصول السنة حيث تتوفر أغلب  النساء في المغرب على أكثر من “جلابة” بألوان وأشكال مختلفة تتناسب مع كل الفصول وجميعها تتشابه في عنصر الاحتشام الذي يعد أحد العناصر الأساسية في خياطة ” الجلابة” مع استثناءات قليلة حيث يعمدن بعض النساء إلى فصالة ” جلابية ” بذوقهن الخاص وبما يتماشي وبعض صيحات الموضة كالمزاوجة بين الجلابة وسروال الجينز أو تفضيل “الجلابة ” القصيرة من الأسفل في إشارة لإبداعات المصممين المغاربة والذين تعاملوا وعلى مر السنين مع هذا اللباس بنوع من التقدير حيث حافظوا على شكله وتصمامية رغم بعض أشكال التجديد التي أنجزت من داخله وليظل باستمرار  لباس الفخامة والوقار للنساء والرجال على حد سواء .
 
مآرب كثيرة
الجلابة والبلغة (خف تقليدي ) والجبدور ( لباس رجالي داخلي يلبس تحت الجلابة) مع الطربوش الأحمر أي ( القبعة) ذاك هو اللباس الذي ارتبط بالمغاربة في الصور التي تروج للملكة سياحيا وقد ارتبط بهم هذا اللباس منذ النزوح الأندلسي وأصبح علامة مميزة للمغربي المتشبث بالأصالة والتقاليد ولا يزال يلقى هذا الشكل من اللباس الإقبال الكبير عند جميع الأعمار والشرائح الاجتماعية في المملكة من شمالها حتى جنوبها ويبدو ذلك جليا في الأعياد الدينية والوطنية وفي صلاة الجمعة وعند المناسبات خاصة في الأفراح حيث يفضل العديد من الرجال هذا اللباس التقليدي وبتنافس في ذلك الصغار والكبار والشباب .

ومثل الجلابة النسائية لا تخلو جلابة الرجال من تفنن في التصميم والصنعة حيث يتخصص خياطون بعينهم في عدة أسواق عريقة تقليدية في خياطة الجلابة المغربية الرجالية ومن أشهر هذه الأسواق سوق مدينة أزمور ومدينة فاس ومدينة مراكش ومدينة الحاجب …وهي أسواق اشتهرت بخياطة ” الجلابة” الفاخرة التي يشترط فيها الثوب الفاخر أو الصوف الممتاز والحرير والتي تخاط بتقنية لايعرفها إلا هؤلاء الخياطون المغاربة الذين توارثوا هذه الحرفة عن أبائهم وأجدادهم وحيث تستعمل الكثير من التقنيات القديمة والتي تتطلب خبرة كبيرة بعلم الحساب وفك شفرة تداخل الخيوط والتنسيق بين الألوان والتزويقات والمزاوجة بين الأشكال والأنماط والسطور والتلوينات في نمط حرفي بديع لايخلو من إبداع ساحر .
 
أهل الحرفة
وان كان أن أهل هذه الحرفة من ” معلميات ومعلمية ” يعتبرون أن العصر الذهبي للجلابة قد ولى فإنهم يتشبثون بصنعة وحرفة تعد مفخرة لهم باعتبارها أحد ملامح الشخصية المغربية

فالسيدة غيثة الخياطة بأحد القيساريات العتيقة بحي الاحباس بالدار البيضاء والمتخصصة في خياطة الجلابة النسائية تقول أن المرأة المغربية بطبيعتها الجميلة تحب الشئ الجميل والشئ الجميل حسب السيدةغيثة لايزال موجودا في شكل الجلابة القديم بفخامته وإتقانه الذي يزيد هذه المرأة جمالا ، فالجلابة التقليدية تتميز بطولها وفضفضتها اللذان يخفيان مفاتن المرأة مع الحرص على أناقة وأنوثتها تقول السيدة غيثة مضيفة أن هذه الجلابة عرفت بعض التجديد والتطور لتصبح مواكبة لعصرها ولتنافس الأزياء العاليمة وذلك لايمس في شئ قيمة الجلابة بل بالعكس يزيدها إقبالا وإعجابا تختم السيدة غيثة .

المعلم إبراهيم السطيف خياط تقليدي للجلابة المغربية فاقت شهرته في فترة من الفترات المدن المغربية ، له أكثر من محل بعدد من القيساريات في المدن المغربية ويعمل رفقته الآن أكثر من مائة خياط تعلموا الصنعة منه شخصيا بالإضافة إلى أبنائها وبناته ، يعتبر أن الجلابة المغربية سترافق الإنسان المغربي إلى نهاية العالم منتقدا المسؤولين المغاربة الذين عجزوا عن ترويج هذا اللباس المغربي في الخارج حتى يصبح عالميا ، الحاج إبراهيم يقول أن الجلابة الرجالية تختلف باختلاف أصحابها ومناخ مدنهم بالجلابة في الريف المغربي ليست هي الجلابة في وسط البلاد أو في جنوبه ففي الصيف مثلا يستحسن أن تكون ألوان الجلابة فاتحة لتعكس أشعة الشمس كاللون الأبيض ويستحسن استعمال أثوابا من القطن أو الحرير مع اعتماد فصالة وخياطة خفيفة ، فيما يستحسن يضيف الحاج إبراهيم أن تصنع الجلابة من قماش الصوف مع اعتماد ألوان داكنة مثل اللون الأسود أو البني لمقاومة البرد والشتاء مع استعمال العقاد من الحجم الكبير وتلك من الأمور التي تعلمانها ونعلمها بدورنا لجيل جديد عسى أن لايبخل بدوره على جيل لاحق يختم المعلم إبراهيم.

You can leave a response, or trackback from your own site.

Leave a Reply

Powered by WordPress